العلامة المجلسي

332

بحار الأنوار

لوهم بدفعها لقتلته ، أو لكانت تأمر الحاضرين بقتله ، فأعلمه تعالى أن الامتناع من ضربها أولى صونا للنفس عن الهلاك . والثاني أنه عليه السلام لو اشتغل بدفعها عن نفسه فربما تعلقت به فكان يتمزق ثوبه من قدام ، وكان في علم الله تعالى أن الشاهد يشهد بأن ثوبه لو تمزق من قدام لكان يوسف هو الجاني ، ( 1 ) ولو كان ثوبه متمزقا من خلف لكانت المرأة هي الجانية ، ( 2 ) فالله تعالى أعلمه هذا المعنى فلا جرم لم يشتغل بدفعها عن نفسه ، بل ولى هاربا عنها حتى صارت شهادة الشاهد حجة له على براءته عن المعصية . الوجه الثاني في الجواب : أن نفسر الهم بالشهوة ، وهذا مستعمل في اللغة الشائعة يقول القائل فيما لا يشتهيه : ما يهمني هذا ; وفيما يشتهيه : هذا أهم الأشياء إلي ، فسمى الله تعالى شهوة يوسف هما ، فمعنى الآية : ولقد اشتهته واشتهاها ولولا أن رأى برهان ربه لدخل ذلك العمل في الوجود . الثالث : أن نفسر الهم بحديث النفس ، وذلك لأن المرأة الفائقة في الحسن والجمال إذا تزينت وتهيأت للرجل الشاب القوي فلابد وأن يقع هناك بين الشهوة والحكمة وبين النفس والعقل مجاذبات ومنازعات ، فتارة تقوى داعية الطبيعة والشهوة ، وتارة تقوى داعية العقل والحكمة ، فالهم عبارة عن جواذب الطبيعة ، ورؤية البرهان عبارة عن جواذب العبودية ، ومثاله أن الرجل الصالح الصائم في الصيف الصائف إذا رأى الجلاب المبرد بالثلج فإن طبيعته تحمله على شربه إلا أن دينه وهداه يمنعه منه ، فهذا لا يدل على حصول الذنب ، بل كلما كانت هذه الحالة أشد كانت القوة في القيام بلوازم العبودية أكمل ، فقد ظهر بحمد الله صحة القول الذي ذهبنا إليه ، ولم يبق في يد الواحدي إلا مجرد التصلف وتعديد أسماء المفسرين ، ولو كان قد ذكر في تقرير ذلك شبهة لأجبنا عنها إلا أنه ما زاد على الرواية عن بعض المفسرين . واعلم أن بعض الحشوية روى عن النبي صلى الله عليه أنه قال : ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ، فقلت : لاولى أن لا يقبل مثل هذه الأخبار ، فقال - على طريق الاستنكار - :

--> ( 1 ) في المصدر : الخائن . م ( 2 ) " " : الخائنة م